الجمعة، 7 يوليو 2017

مقدمة


أخلاق الكبار 
فهد الجريوي

في يوم الجمعة الموافق 21 / 5 / 1425 هـ ألقيت أول دورة تسمى تجوزاً علمية بعنوان فقه الأخلاق ، وقد اجتهدت في الإعداد لهذه الدروس حتى أنه في بعض الدروس أقرأ أكثر من خمسين كتاباً في التحضير له ، وألقيت هذه الدورة في ذلك العام أكثر من مرة ، ولقت استحسان الإخوة وفقهم الله في وقتها ، وكتبت جملة من الدروس في دفتر خاص بلغ أكثر من ثمانين صفحة ، وكان الدرس في جله مرتجل ، المهم أني فقدت الدفتر وأحسست بمرارة عظيمة كأني فقدت عضواً من أعضائي لأني جمعت فيه عصارة الكتب التي تكلمت عن الأخلاق ، واستمر ضياعه قرابة الخمسة أعوام . ثم وجدته قبل أشهر ، وفرحت به فرحاً عظيماً . وأخذت في تصفحه وتملكني العجب عند قراءته فما رأيت فيه ما يؤسف على فقده ووجدت فيه مجموعة من النقولات لابأس بها لكن ليست بذاك التميز والجودة ، وتذكرت حينها قول الأسلاف رحمهم الله بعدم العجلة في التصنيف والتريث قدر الإمكان ، فالإنسان كلما طال عمره وكثرت قراءته واجتمع بأشياخه ، بَعُدَ نظره واتسعت مداركه وارتفعت ذائقته ، ( مع أني لم أفكر في ذلك يوماً وإنما كان جمعاً خاصاً بي أستفيد منه ) ، ومع هذا فقد استحسنت فيه بعض المواقف والعبارات ، أحببت أن أتحفكم بها ، وكذلك لعلكم تتكرمون بمشاركتي بذكر مواقف جميلة مرت بكم لعلها تسد النقص الذي رأيته لدي ، والأهم لعل في هذه المقالة ما يدفعنا لتهذيب أخلاقنا والتأسي بالسلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين في أدبهم وحسن أخلاقهم ، وسأورد جملة من المواقف تباعاً ، وسميت المقالة ( أخلاق الكبار ) لأني قبل سنوات استمتعت بسماع شريط للشيخ الدكتور خالد السبت مفيد مبارك في هذا الباب ومعبر بعنوان أخلاق الكبار ، فجعلته عنواناً للمقالة ، وأسأل الله أن يهدينا وإياكم لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا هو ، وأن يصرف عنّا سيئها لا يصرف عنّا سيئها إلا هو ، وأن كما حسّن خلقنا أن يحسّن أخلاقنا . 


الموقف الأول


شيخ الإسلام ابن تيمية مع أعدائه وهو مذكور في الفتاوى :


يقول بعد أن حث على الألفة والمحبة وعدم الفرقة : ( وأول ما أبدأ به هذا الأصل ما يتعلق بي فتعلمون رضي الله عنكم أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً لا باطناً ولا ظاهراً ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلاً بل هم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف ما كان كل بحسبه ، و لا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهداً مصيباً أو مخطئاً أو مذنباً ، فالأول مأجور مشكور ، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين ، فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل كقول القائل : فلان قصر ، فلان ما عمل ، فلان أوذي الشيخ بسببه ، فلان كان سبب هذه القضية ، فلان كان يتكلم في كيد فلان ، ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والأخوان ، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب ولا حول ولا قوة إلا بالله) .

الموقف الثاني


أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء 

كان بين حسن بن حسن ، وبين ابن عمه علي بن الحسين ( ابنا علي بن أبي طالب  ) شيء ، فما ترك حسن شيئاً إلا قاله ، وعليّ ساكت ، فذهب حسن ، فلما كان في الليل ، أتاه علي ، فخرج ، فقال علي : يا ابن عمي إن كنت صادقاً فغفر الله لي ، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك ، والسلام عليك . فالتزمه حسن ، وبكى حتى رثي له .

الموقف الثالث


أورده ابن عبدالبر في التمهيد :


( اختلف زيد ابن ثابت وابن عباس ، هل الحائض تخرج بدون طواف وداع أم لا ؟ فقال ابن عباس : تنفر ، وقال زيد : لا تنفر . فدخل زيد على عائشة فسألها فقالت : تنفر . فخرج زيد وهو يبتسم ويقول لابن عباس ما الكلام إلا ما قُلتَ أنت ) .
قال ابن عبدالبر : هكذا يكون الإنصاف ، وزيد معلم ابن عباس ، فما لنا لا نقتدي بهم ، والله المستعان .


الموقف الرابع


موقف لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز أورده فضيلة الشيخ عبدالعزيز السدحان في كتابه الإمام ابن باز :

يقول الشيخ عبدالعزيز السدحان وفقه الله : حدثني الشيخ أحمد بن محمد بن سنان أثابه الله تعالى قال : حدث ذات يوم لما كان الشيخ ابن باز في المدينة النبوية أن الشيخ عندما أمر الناس بالدخول لتناول طعام الغذاء ، دخل الناس وأخذوا مجالسهم وجلس أحد الفقراء على الصحن الذي يجلس الشيخ عنده ، فقام أحد العاملين في منزل الشيخ فأقام الفقير من ذلك الصحن إلى صحن آخر .

قال الشيخ أحمد : وعندما خرج الناس وحان وقت العصر وخرجنا مع الشيخ في سيارته متجهين إلى المسجد النبوي سألني الشيخ هل حصل على غدائنا اليوم أمر ؟
فقلت للشيخ : يا شيخ ، الشيخ إبراهيم الحصين موجود معنا في السيارة ، وهو أقرب الناس إليك ، فسأله الشيخ ، فأجابه الشيخ إبراهيم بأن ليس هناك ما يذكر .
ثم سأل الشيخ السائق فأخبره السائق بما حصل من إقامة الفقير من صحن إلى صحن آخر ، وأن هذا غاية ما في الأمر فتأثر الشيخ وبدا عليه الغضب وقال : هل البيت بيته ؟ لماذا أقيم الفقير ؟ لماذا لم يخبره بعدم الجلوس قبل أن يجلس ؟
قال الشيخ أحمد : وعندما جلس الشيخ كعادته بعد صلاة المغرب جاء ذلك الموظف الذي أقام الفقير ليصب للشيخ القهوة فلما مد الفنجال للشيخ زجره الشيخ بكلمة ثم تكلم رحمه الله تعالى عن فضل الرفق بالفقراء ثم بكى من التأثر وبكى بعض من حضر مجلسه ذاك 
.


الموقف الخامس


جاء في كتاب العالم العابد الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن قاسم ( رحمه الله ) ، حياته وسيرته ومؤلفاته ، إعداد ابنه عبدالملك القاسم ، قال : 


من ورع الوالد رحمه الله ، أننا كنا في مكة في يوم ومررنا بصاحب دراجة يسير فأتاه قليل من ماء الأرض بفعل سير السيارة . فوقف  ونزل إليه ، وعندما عاد إلى السيارة قال : ( استسمحته و أرضيته ) ، ولا نعرف هل أرضاه بمال أم لا ؟ ! .

الموقف السادس


يقول الشيخ عبدالعزيز السدحان وفقه الله في كتابه الإمام ابن باز :

سألت الشيخ ذات مرة في سيارته وقلت ما معناه : ياشيخ عبدالعزيز ما أعلم أحداً إلا يحبك صغيراً أو كبيراً ، ذكراً أو أنثى ، وهذا أمر شبه متفق عليه ، فما السر يا شيخ في ذلك ؟ فحاول الشيخ أن يتعذر من الجواب ، فكررت السؤال مرة أو مرتين ، فقال ما معناه : ( ما أعلم في قلبي غلاً على أحد من المسلمين ، ولم أعلم بين اثنين شحناء إلا سارعت بالصلح بينهما ) .